حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
474
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التفسير : لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون وثمود . أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل والثور إلى آخرها . وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي بحلول الكواكب فيها . وقيل : هي منازل القمر الثمانية والعشرون . وقيل : وقت انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها . أما الشاهد والمشهود فأقوال المفسرين فيهما كثيرة ، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود الحضور ، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به . والاحتمال الأول فيه وجوه الأول : وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن عليّ وابن المسيب والنخعي والثوري ، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ مريم : 37 ] ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ [ هود : 103 ] قال جار اللّه : وطريق تنكيرهما ما مرّ في قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [ التكوير : 14 ] كأنه قيل : وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود . ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما . وإنما حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد اللّه بالحكم والقضاء . الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد الملائكة . روى أبو الدرداء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود نشهده الملائكة » . الثالث أنّه يوم عرفة والشاهد من يحضره من الحجاج قال اللّه تعالى يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [ الحج : 27 ] وحسن القسم به تعظيما لأمر الحج . يروى أنه تعالى يقول للملائكة يوم عرفة « انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة » « 1 » الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة . الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال المذكورة كلها ، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد لم يكن فيه إلى يوم بعينه . والاحتمال الثاني فيه أيضا وجوه أحدها : أن الشاهد هو اللّه تعالى والمشهود به هو التوحيد لقوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] وثانيها الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم لقوله فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [ النساء : 41 ] وثالثها العكس لقوله وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ]
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 224 ، 305 ) .